علي بن موسى الغرناطي الأندلسي
246
المغرب في حلي المغرب
كالصّبح المبين ، إلا أنه صادف في شرق الأندلس الأمير أبا محمد بن عياض أسد الحروب ، وقطب الخطوب ، رجل الثّغر شهرة وشجاعة ، قد ألقى جميع تلك البلاد له بالسمع والطاعة ، فهوت قلوب أهل بلنسية إليه ، ورام ابن عبد العزيز صرفهم عن ذلك فثاروا عليه ، فخضعت أقلامه للسيوف ، ودارت عليه من الفتن صروف ، فلم ير إلا الفرار ، قائلا ليس على زأر الأسد قرار ، فجاءت به المقادر إلى أن حصلته في يد عدوه عبد اللّه بن غانية ، فسجنه في جزيرة ميورقة إلى أن يسّر اللّه سراحه على أيدي الموحدين ، فحلّ بمراكش تحت نعمة ضافية ملحوظا بعين الرعاية ، متفقدا من الأمر العزيز بأجزل جراية . أخبرني أحد الأدباء الأعيان ، ممن كان يمازحه ويركن إليه ، أنه كان دائم الحسرة على كونه لم يطل ملكه ، وكان انجعافه مرة ، وأنه كان يستريح في ذلك بما ينظمه ، قال : ومما أنشدنيه لنفسه من ذلك قوله : [ الطويل ] علمت بأن الدائرات تدور * وقد كشفت منّا هناك بدور ونادى منادي البين فينا ترحّلوا * فطار فؤاد للفراق صبور ونثّر سلك طال في الملك نظمه * كذا كلّ نظم بالزمان نثير خرجنا من الدنيا وكانت بأسرها * تصيخ لما نومي به ونشير نهضنا بها ما دام في السعد نجمنا * فلما هو جارت وليس مجير فلا ينس تسليم السّماطين مسمعي * بحيث القنا والمرهفات سطور وحيث بنوا الآمال تكرع كالقطا * وقد زخرت للمكرمات بحور وقد قامت المدّاح تنثر نظمها * ودارت علينا للثناء خمور وللّه يوم قد نهضت بصدره * وحولي من صيد الكماة صقور أثار به ركض الفوارس قسطلا * يرصّعه للباترات قتير وقد جال جرّرا الذيول مماصع * وطار إلى نهب النفوس مغير وقد صمّت الأسماع إذ طاشت النّهى * وحامت على ما عوّدته طيور وأصدرت الرايات حمرا كأنها * صدور حسان مسهنّ عبير ألا بأبي ذاك الزمان الذي قضى * وتعسا لدهر جاء وهو عثور تصابحنا فيه الرزايا فتارة * تصمّ صماخا أو تجيش صدور لقد أسخن المقدار طرفي بعده * وكم قرّ بالآمال وهو قرير أيا مهديا نحوي التحية عن نوى * تسائلني ، إن الزمان خبير فسله عن الماضين قبلي فإنه * على كل حال لا يزال يجور فلو أبصرت عيناك همّي حالكا * وشهب الدّياجي في السماء تنير